الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
36
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ في موضع الحال فالواو واو الحال . وَلَوْ اتصالية ، وهي تفيد أنه مضمون ما بعدها هو أبعد الأحوال عن تحقق مضمون ما قبلها في ذلك الحال . والتقدير : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين في نفس الأمر ، أي نحن نعلم انتفاء إيمانك لنا في الحالين فلا نطمع أن نموّه عليك . وليس يلزم تقدير شرط محذوف هو ضد الشرط المنطوق به لأن ذلك تقدير لمجرد التنبيه على جعل الواو للحال مع ( لو وإن ) الوصليتين وليس يستقيم ذلك التقدير في كل موضع ، ألا ترى قول المعري : وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل كيف لا يستقيم تقدير إني إن كنت المتقدم زمانه بل وإن كنت الأخير زمانه . فشرط ( لو ) الوصلية و ( إن ) الوصلية ليس لهما مفهوم مخالفة ، لأن الشرط معهما ليس للتقييد . وتقدم ذكر ( لو ) الوصلية عند قوله تعالى : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ في سورة البقرة [ 170 ] ، وعند قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً في سورة آل عمران [ 91 ] . وجملة وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ في موضع الحال . ولما كان الدم ملطخا به القميص وكانوا قد جاءوا مصاحبين للقميص فقد جاءوا بالدم على القميص . ووصف الدم بالكذب وصف بالمصدر ، والمصدر هنا بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، أي مكذوب كونه دم يوسف - عليه السّلام - إذ هو دم جدي ، فهو دم حقا لكنه ليس الدم المزعوم . ولا شك في أنهم لم يتركوا كيفية من كيفيات تمويه الدم وحالة القميص بحال قميص من يأكله الذئب من آثار تخريق وتمزيق مما لا تخلو عنه حالة افتراس الذئب ، وأنهم أفطن من أن يفوتهم ذلك وهم عصبة لا يعزب عن مجموعهم مثل ذلك . فما قاله بعض أصحاب التفسير من أن يعقوب - عليه السّلام - قال لأبنائه : ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ، أكل ابني ولم يمزق قميصه ، فذلك من تظرفات القصص . وقوله : عَلى قَمِيصِهِ حال من ( دم ) فقدم على صاحب الحال . قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ . حرف الإضراب إبطال لدعواهم أن الذئب أكله فقد صرح لهم بكذبهم .